محمد جواد مغنية
33
في ظلال نهج البلاغة
ومهما يكن فإن الإمام لم يتعرض في هذه الخطبة لأصل الأرض وتكوينها ، وإنما أشار إلى بعض حالاتها بعد خلقها ووجودها ، وفيما يلي البيان : المعنى : ( وكبس الأرض على مور أمواج مستفحلة ، ولجج بحار زاخرة ) . ان اللَّه سبحانه بعد أن خلق الأرض غمسها في بحار هائجة مائجة ، وقال بعض الشارحين : المراد بكبس الأرض خلقها وتكوينها ، وهذا التفسير خلاف الظاهر ، قال الشيخ محمد عبده : كان حق التعبير كبس بها الموج ، ولكن الإمام أقام الآلة مقام المفعول . ومراده بالآلة الأرض ، وبالمفعول الموج أي ان الأرض كانت موجودة قبل الكبس ( تلتطم أواذي أمواجها إلخ ) . . تقدم في فقرة ( اللغة ) معنى الأواذي والأثباج ، ولا شيء وراء معناهما اللغوي يحتاج إلى شرح وتفسير . ( فخضع جماح الماء إلخ ) . . أي ان غمس الأرض في البحار تم بيسر وسهولة ، وان ثورة البحار هدأت وهمدت بعد هذا الغمس . وعبّر الإمام عن سكون البحار وهدوئها بالذل والخضوع والأسر والانقياد لأمره تعالى ( وسكنت الأرض مدحوة ) كالبيضة . وفي كتب اللغة : « مدحي النعام : موضع بيضها » . ويقول أحدث الآراء : إن الأرض ليست كرة تماما ، بل هي بيضوية الشكل . ومراد الإمام ان الأرض سكنت في لجة البحار مؤقتا لا دائما بدليل قوله في خطبة ثانية من خطب النهج : « وأنشأ الأرض فأمسكها من غير اشتغال ، وأرساها على غير قرار ، وأقامها بغير دعائم » . ومن خطبة رواها الشيخ هادي كاشف الغطاء في ( المستدرك ) : « ورفع السماء بغير عمد ، وبسط الأرض على الهواء بغير أركان » . ( وردت من نخوة إلخ ) . . عاد الإمام إلى حديث البحر ، وان ثورته هدأت واستقرت بعملية الكبس ( فجّر ينابيع العيون من عرانين أنوفها ) . أي أخرج سبحانه الماء ينابيع من أعالي الجبال ( وفرّقها في سهوب بيدها وأخاديدها ) . بعد أن تفجرت الينابيع اتخذ الماء سبيله في السهول والسواقي والأودية ( وعدل حركاتها - إلى - جراثيمها ) . تدور الأرض بسرعة محددة ، وفي اتجاه معين ، وعلى نظام ثابت من يوم تكونت إلى ما شاء اللَّه ، وللجبال الراسيات أثرها في